empty
 
 
17.08.2026 03:35 PM
الدولار الأمريكي: الاقتصاد يفقد زخمه، والجغرافيا السياسية تمنع الانهيار

ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في يوليو بنسبة 0.1% على أساس شهري، في حين تباطأ المعدل السنوي إلى 3.4% مقارنة بـ 3.5% في يونيو. وأظهر مؤشر أسعار المنتجين نموًا صفريًا خلال الشهر، في حين بلغ معدل النمو السنوي 4.7% مقابل 5.5% في يونيو. وهذه هي ثاني مرة على التوالي يتراجع فيها الضغط التضخمي، في إشارة إلى انحسار الصدمة التضخمية الناتجة عن الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة.

أكثر الإشارات إثارة للقلق كانت تراجع مبيعات التجزئة بنسبة 0.6% على أساس شهري في يوليو، في أكبر انخفاض منذ مايو 2025. وقد محا هذا التراجع بالكامل مكاسب يونيو البالغة 0.2%، وجاء أسوأ بكثير من توقعات السوق. إن ضعف الطلب الاستهلاكي يعد جرس إنذار واضحًا لاقتصاد يُعد فيه الاستهلاك تقليديًا المحرك الرئيسي للنمو.

This image is no longer relevant

أظهرت البيانات الأولية لمسح جامعة ميتشغان لشهر أغسطس أن مؤشر ثقة المستهلك تراجع إلى 51.0 من 55.2 في يونيو، وهو أدنى مستوى في ثلاثة أشهر. كما انخفض مؤشر توقعات المستهلك من 55.4 إلى 50.6 نقطة. ولا تزال توقعات التضخم مرتفعة؛ إذ ارتفعت التوقعات لعام واحد إلى 4.3% من 4.2%، بينما استقرت التوقعات لخمس سنوات عند 3.3%.

ويكتمل المشهد بتقرير وظائف ضعيف صدر في 7 أغسطس، أظهر انخفاضاً قدره 23,000 وظيفة في حين كان متوقعاً أن تسجل زيادة.

أدت هذه البيانات الاقتصادية إلى انقلاب حاد في توقعات السياسة النقدية. ووفقاً لمؤشر CME FedWatch، تراجعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر للجنة الفدرالية للسوق المفتوحة إلى نحو 30%. للمقارنة، كانت هذه الاحتمالات قبل شهر عند 50%، ووصلت في يوليو إلى 75%. وتم ترحيل التوقعات برفع الفائدة إلى اجتماع ديسمبر.

كان التحول لافتاً. ففي غضون بضعة أسابيع فقط، محا السوق بالكامل "العلاوة المتشددة" التي تراكمت منذ تعيين Kevin Warsh رئيساً للاحتياطي الفدرالي. وتراجع مؤشر الدولار إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، بينما تفاعلت أسواق الأسهم بمكاسب؛ إذ وصل مؤشر S&P 500 إلى مستوى قياسي تاريخي.

وبينما تضغط البيانات الكلية على الدولار، ما زالت العوامل الجيوسياسية تقدّم له دعماً. فقد دخل الصراع حول مضيق هرمز مرحلة جديدة. انتهت الهدنة المؤقتة في 8 أغسطس، وتعثرّت المحادثات الرامية إلى تمديدها. وبعد أن استكملت إيران تعديلات في صفوف قيادتها العسكرية والسياسية العليا عززت التيارات المتشددة، تبدو مستعدة لمواجهة طويلة الأمد.

تواجه إدارة ترامب معضلة. فالهدف المعلن على الملأ — منع إيران من الحصول على أسلحة نووية — يتراجع تدريجياً إلى الخلفية. ويتضح بشكل متزايد أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو استعادة السيطرة على المضيق الاستراتيجي وانتزاع حق فرض رسوم على مرور السفن.

This image is no longer relevant

لقد راهنت إيران على حرب اقتصادية. فالسيطرة على المضيق تُمكِّن طهران من خنق إمدادات النفط العالمية، ورفع الأسعار، والإضرار بالاقتصاد العالمي. تقوم استراتيجية إيران على إرغام الولايات المتحدة على التراجع تحت ضغط أسعار الطاقة المرتفعة. وكما يشير محللو International Crisis Group، فإن "طهران استوعبت الدرس: إذا تمسكتَ بموقفك فترةً كافية، تكون الولايات المتحدة هي من يغيّر مساره أولاً".

ومن اللافت أن الدولار قد يحتفظ بمكانته في كلتا الحالتين. فإذا نجحت الولايات المتحدة في إجبار إيران على التراجع واستعادت السيطرة على المضيق، فإن ذلك سيعزّز النفوذ الجيوسياسي لأمريكا والثقة في الدولار. أمّا إذا طال أمد الصراع وبقيت أسعار النفط مرتفعة، فإن الأضرار الاقتصادية التي ستلحق بأوروبا واليابان والصين — وجميعها دول تعتمد على استيراد الطاقة — ستكون أكبر من تلك التي ستصيب الولايات المتحدة. وقد يدعم ذلك، بشكل مفارق، الدولار باعتباره كلاً من عملة ملاذ آمن وعملة الدولة الأقل تضرراً نسبياً.

البيانات الاقتصادية الضعيفة في الولايات المتحدة تضغط على الدولار نحو الهبوط، في حين يحظى اليورو بدعم من الفائض في الميزان التجاري لمنطقة اليورو. كما أن الطلب على الين الياباني كأصل دفاعي يفترض أن يحد من الصعود في زوج العملات USD/JPY.

يقع الدولار الأمريكي حالياً تحت تأثير قوى متعارضة. فمن جهة، تدفعه الأرقام الكلية الضعيفة وتراجع توقعات رفع الفائدة من جانب Fed إلى الهبوط. ومن جهة أخرى، يمنع التصعيد الجيوسياسي مع إيران الدولار من الانهيار.

سيكون عاملان حاسمين في الأسابيع المقبلة:

  1. اجتماع Fed في سبتمبر. السوق تسعّر احتمالاً لا يتجاوز 30–35٪ لرفع سعر الفائدة. وإذا ظهرت بيانات اقتصادية أضعف، فسيتراجع هذا الاحتمال أكثر، ما سيكون سلبياً للدولار.
  2. تطور الأوضاع حول مضيق هرمز. لم يُمدَّد وقف إطلاق النار، وإيران تصعّد الضغط العسكري، والولايات المتحدة تؤكد مطالبها بالسيطرة على المضيق. ويُبقي التصعيد الطلب على الدولار كأصل ملاذ آمن.

السيناريو الأساسي هو استمرار تماسك مؤشر الدولار (DXY) في نطاق 99–100، مع وجود مخاطر كسر هبوطي إذا ظهرت بيانات اقتصادية أمريكية ضعيفة جديدة. قد يتلقى الدولار دعماً من العوامل الجيوسياسية، لكن من أجل اختراق واضح ومستدام فوق مستوى 100، سيُحتاج إما إلى تحوّل متشدد واضح في لهجة Fed، أو إلى تصعيد جوهري يجعل الدولار الملاذ الآمن الأوحد تقريباً.

Kuvat Raharjo,
Analytical expert of InstaTrade
© 2007-2026

Recommended Stories

لا تستطيع التحدث الآن؟
اطرح سؤالك في الدردشة.